ابن كثير

297

البداية والنهاية

وقد رواه مسلم من حديث شعبة وله تمام عن عمار عن حذيفة في المنافقين . وهذا كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من التابعين ، منهم الحارث بن سويد ، وقيس بن عبادة ، وأبو جحيفة وهب بن عبد الله السوائي ، ويزيد بن شريك ، وأبو حسان الأجرد وغيرهم أن كلا منهم قال : قلت لعلي : هل عندكم شئ عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهده إلى الناس ؟ فقال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إلا فهما يؤتيه الله عبدا في القرآن ، وما في هذه الصحيفة ، قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ فإذا فيها العقل وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر ، وأن المدينة حرم ما بين ثبير إلى ثور . وثبت في الصحيحين أيضا من حديث الأعمش عن أبي وائل عن سفيان بن مسلم عن سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين : يا أيها الناس ! اتهموا الرأي على الدين ، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أقدر لرددت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ، ووالله ما حملنا سيوفنا على عواتقنا منذ أسلمنا لأمر يقطعنا إلا أسهل بنا إلى أمر نعرفه ، غير أمرنا هذا ، فإنا لا نسد منه خصما إلا انفتح لنا غيره لا ندري كيف نبالي له . وقال أحمد : حدثنا وكيع ثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري . قال قام عمار يوم صفين فقال : إيتوني بشربة لبن ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " آخر شربة تشربها من الدنيا تشربها يوم تقتل " ( 1 ) وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن حبيب عن أبي البختري أن عمارا أتي بشربة لبن فضحك وقال : إن رسول الله قال لي : " آخر شراب أشربه لبن حين أموت " ( 2 ) وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل : ثنا يحيى بن نصر ، ثنا عمرو بن شمر ، عن جابر الجعفي قال : سمعت الشعبي عن الأحنف بن قيس : قال ثم حمل عمار بن ياسر عليهم فحمل عليه ابن جوى السكسكي وأبو الغادية الفزاري ( 3 ) ، فأما أبو الغادية فطعنه ، وأما ابن جوى فاحتز رأسه . وقد كان ذو الكلاع سمع قول عمرو بن العاص يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر " تقتلك الفئة الباغية ، وآخر شربة تشربها صاع لبن " فكان ذو الكلاع يقول لعمرو : ويحك ! ما هذا يا عمرو ؟ ! فيقول له عمرو : إنه سيرجع إلينا . قال : فلما أصيب عمار بعد ذو الكلاع قال عمرو لمعاوية : ما أدري بقتل أيهما أنا أشد فرحا ، بقتل عمار أو ذي الكلاع والله لو بقي ذو الكلاع بعد قتل عمار لمال بعامة أهل الشام ولأفسد علينا جندنا . قال : وكان لا يزال يجئ رجل فيقول

--> ( 1 ) مسند الإمام أحمد ج 4 / 262 ، 319 . ( 2 ) المصدر السابق 4 / 319 . ( 3 ) في فتوح ابن الأعثم 3 / 266 قتله ابن الجون السكوني . وفي الكامل 3 / 310 : قتله أبو الغازية واحتز رأسه ابن حوى السكسكي . قال : وقيل أبو الغارية . وفي مروج الذهب 2 / 423 : قتله أبو العادية العاملي وابن جون السكسكي .